روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
88
عرائس البيان في حقائق القرآن
والخذلان اكتساب ؛ لأنه اختيار اللّه الذي قد سبق لهم في العدم ، وختم به القضاء المبرم ، ومن هاهنا تفرقت القلوب وانشقاقها عن الموبقات ؛ لأن الأرواح جنود مجندة . أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ أي : حسبتم أن تدخلوا جنان المشاهدة ، ومجالس الأنس بنور المكاشفة قبل ممارستكم مقاساة المراقبة والمحاسبة والمجاهدة ، وأيضا أحسبتم يا أوليائي أن تدخلوا جنة الوصلة والقربة كأنبيائه الذين سبق لهم منا مقام النبوة بلا مؤن المجاهدة وليس هذه المنزلة لغير الأنبياء ولهم خاصة كرامة لهم تشريفا وتوقيرا وتفضيلا على جميع الخلق . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 216 إلى 218 ] كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 216 ) يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 217 ) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 218 ) قوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ أخبر سبحانه أن مقاومة النفس ومخالفتها صعب على صاحبها ؛ لكن في درب كل خلق دنا في نيران المجاهدة انفتاح كنز من كنوز الحقائق من الفراسات والكرامات والمناجاة والمكاشفات والمشاهدات ؛ لأن النفس الحجاب الكلي يحجب القلب عن مشاهدة الملكوت ، ورؤية أنوار الجبروت ، وسنة اللّه قد مضت بأن من خالف نفسه وهواه فقد استنّ محجة المثلى وأدرك ممالك العليا ، ورقي مدارج المكاشفات ، وبلغ معارج المشاهدات ؛ لأن مخالفة النفس هي موافقة للقلب ، ومن وافق قلبه أنس سعادة الكبرى ، ونال منزلة الأعلى ؛ لأن من باشر أنوار القلب فقد باشر أمر الحق ، ومن أدرك الحق بوصف الإلهام باشر سره نور الحكمة ، ومن أدرك نور الحكمة فقد أبصر نور معرفته ، ومن أبصر نور معرفته عاين حقيقة الكل بالكل ، وقد استمسك بالعروة الوثقى ، وهي مشاهدة مولاه ، فأين هذه المنزلة والمرتبة في هوا حسن حظوظ البشرية ، وحصول النفس عند توقانها نفائس الشهوة ؛ بل الأمر المعظم في قتال النفس ، وقمع شهواتها ، وقلع صفاتها عنها حتى تصير مطمئنة ساكنة تحت قضاء الحق ، وبقي القلب فارغا عن وساوسها ، وسرّ عالم الملكوت بنور البصيرة ، كما قال عليه السلام : « لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا